الغزالي

26

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

ارتسمت في أذهانهم صور منذ صغرهم ، واستمرت بهم الغباوة « 1 » إلى أن صار ذلك فيهم ملكة . فهذه الطائفة برؤها من دائها عسير / . وطائفة لهم أدنى معقول ، وقد ألمّوا بيسير من العلوم ، فتجدهم ناكصين عن هذا المعتقد ، لا يسامحون أفكارهم بمقاربته ، يعوّلون تارة على تقليد الفيلسوف « 2 » في مسألة الاتحاد لإعظامهم ما يؤدي إليه من هدم قواعد تظافر على ثبوتها صرائح العقول ، فارّين من هذه المعضلة إلى التقليد المحض ، معتقدين أن الفيلسوف قد حاول العلوم الخفيّة ، فأبانها جليّة مبرهنة . ظانّين بأن من هذا شأنه جدير بأن يعوّل على أقواله ، وتقلّد « 3 » في المعتقدات ! فلذلك ينفصلون عن مسألة الاتحاد « 4 » بردّها إلى مسألة تعلّق النفس بالجسد / . ولو راجع هؤلاء المساكين عقولهم وتركوا الهوى والتعصب ، لعلموا أنهم قد نكبوا عن محجة الصواب ، وأخطئوا سبيل الحق لوجوه : أحدها : أنهم إن جعلوا ذلك من قبيل القياس ، فغلط ، لأن القياس « 5 » : « ردّ فرع إلى أصل بعلة جامعة هي مناط الحكم » .

--> ( 1 ) في المطبوع : [ البغوة ] ولعلّه خطأ مطبعي . ( 2 ) قال الشهرستاني : « الفيلسوف هو : فيلاسوفا ، وفيلا هو الحب ، وسوفا هو الحكمة ، أي : هو محب الحكمة . والفلسفة باليونانية : محبة الحكمة . « الملل والنحل » ( 2 / 363 ) . ( 3 ) في المطبوع : [ ويقلد ] . ( 4 ) الاتحاد عند النصارى ، هو : أن اللّه - تبارك وتعالى - اتخذ جسد المسيح له صورة ، وحلّ بين الناس بصورة إنسان هو المسيح - تعالى اللّه عما يقولون . والاتحاد نوعان : 1 - اتحاد عام ، وهو الذي يعتقده الحلوليون ، ويزعمون أن هو عين وجود الكائنات . 2 - اتحاد خاص : وهو قول النصارى وبالأخص منهم اليعقوبية : أن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا وصارا شيئا واحدا . انظر : « دراسات في الأديان » ص 218 . و « معجم ألفاظ العقيدة » ص 20 ، 21 . ( 5 ) القياس لغة : التقدير للشيء بما يماثله . انظر : « لسان العرب » لابن منظور ( 6 / 187 ) . وأما في الاصطلاح ؛ فقد اختلفت تعبيرات الأصوليين في تعريفه . وقد عرفه الآمدي بأنه : « حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما ، أو نفيه عنهما ، بأمر جامع بينهما » . انظر : « الإحكام » ( 2 / 4 ) وهو عين تعريف الغزالي ، ولكنه زاد عليه : « من إثبات حكم أو صفة أو -